بتـــانة نيوز - شعبان ناجى يكتب :المعركة التي تخاذل فيها مبعوثو فرنسا من الطهطاوي إلى عبد المعطي حجازي

لماذا تنكر كل هؤلاء الأعلام لتمثال الكوليج دو فرانس؟

لماذا وضع شامبليون حذاءه على رأس الفرعون؟

 

 

لا يخفى على معظمنا أن فرنسا بعد أن طُردت من مصر شر طردة، وذلك بعد احتلال لم يدم أكثر من ثلاث سنوات  كان في خططها  وتدابيرها المحكمة أن تعود حتمًا إلى مصر مرة أخرى  وتأبد فيها لتكون هي وطنها الثاني والأثير، ولكنّ  حكومتها الذكية جدا سألت نفسها: كيف تعود؟  هل تفعل ما فعلته في المرة الأولى من الاحتلال. تلك المرة التي شابها كثير من التسرع والرعونة وعدم التخطيط الكافي؟ أم أن عليها أن تحكم أمرها وتتريث كثيرًا وتخطط تخطيطًا طويلا وعميقًا؟ .

ولقد ركنت حكومة فرنسا إلى الرأي الثاني، ذلك لأنها وبعد تجربتها الأولى الفاشلة أقرت  كل الإقرار بأن شعبًا بحجم  الشعب المصري لا يمكن  التعامل معه باستخفاف،  أو من خلال استخدام عناصر السطوة والبلطجة  والغشم، فهذا الشعب يجب اختراقه من خلال العقل وحده، ومن هنا رأت أن التعليم والثقافة هما البوابة الذهبية  لاقتحام هذا الشعب العنيد صاحب الحضارة التليدة.

وعلى  هذا الأساس ظلت فرنسا تخطط لهذا الأمر العظيم طيلة ربع قرن بعد خروجها من مصر، ثم قررت في النهاية أن تفتح باب البعثات العلمية أمام العقل المصري، فكان العام 1826 هو بداية انطلاق تلك البعثات إلى باريس، وكان على ر أس البعثة الأولى الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ذلك الشباب لأزهري المعدم القادم من أحراش الصعيد الجواني وليس في جعبته من العلم إلا بعض معارف قليلة تافهة حصّلها من الأزهر الذي كان هو الآخر فقيرًا جدا في ذلك الوقت، لذا فقد انبهر رفاعة كل الانبهار بحضارة فرنسا وذلك بمجرد أن وطأت قدماه أرض باريس حتى أننا نجده يتحدث في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" عن دقائق وتفاصيل الحياة في باريس  مثل السجاد والكراسي وأدوات الطعام رغم أن مثل هذه الأشياء كانت موجودة منذ عصر الفراعنة، وهو ما يؤكد ندرة معلوماته وثقافته آنذاك.

ومن يقرأ كتب الطهطاوي سوف يستشعر أن بعض أطروحاتها ليس من بنات أفكاره، وإنما يرجح أن الفرنسيين قد وضعوا خطوطها العريضة ووجهوه إلى أفكارها توجيهًا مباشرًا، كما أن مشاريعه وعلى رأسها مدرسة الألسن لم يضع لبنتها وحده وإنما كانت بإيعاز من حكومة باريس التي كانت تهدف أن يغزو الفكر الأوربي الأرض المصرية. ولقد حققوا هدفهم من خلال الطهطاوي الذي عاد إلى مصر فصنع كل الإنجازات وحده، ولمع وحده، وأصبح عظيمًا وحده، وأمّا رفاقه في البعثة فقد ضاعوا في غياهب المجهول ولم نعلم عنهم شيئا،  وهو الملمح الذي أشار إليه محمود شاكر في كتابه "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" وإن كنا لا نميل كثيرا إلى رأي شاكر الذي نلمس فيها بعضا من التطرف والمغالاة. وفي الوقت نفسه لا نستطيع أن ننكر فضل رفاعة وإسهاماته في رفعة وازدهار بلادنا.

لكننا عندما نقيس الأمر على حالة أخرى كحالة طه حسين - وهو أحد أبناء رفاعة- سوف نستطيع أن نربط الخيوط مع بعضها البعض، فعندما أصدر العميد كتابه "في الشعر الجاهلي" وأثار به ما أثار من ضجة واسعة فوجئنا بعد ذلك أن فكرة الكتاب كان قد وضعها  المستشرق الإنجليزي مرجليوث، ومن قبل كان أستاذه بالجامعة المصرية "كارلو نالينو"  قد كتب هو الآخر فصولا عدة حول قضية الانتحال في الشعر الجاهلي من خلال كتابه الرائد "تاريخ الآداب العربية"، وهذا يكشف لنا بجلاء ما كانت ترمي إليه السياسة الفرنسية في ذلك الحين .

ولقد ذهب الكثيرون من المفكرين المصريين إلى فرنسا ونهلوا من علمها وآدابها  وحضارتها الكثير والكثير، ثم عادوا إلى مصر ليشاركوا بفاعلية في حياتنا الثقافية، فقد ذهب  طه حسين ومنصور فهمي وعبد الرازق السنهوري وصبري السربوني وتوفيق الحكيم  وأحمد الصاوي محمد و يحيى حقي ومحمد مندور وأحمد عبد المعطي حجازي وغيرهم،  وإننا لنجد من بين هؤلاء من ألف كتبًا عن باريس ممتدحًا جمالها ونظافة شوارعها وأناقة نسائها، لكنّ معظمهم لم يقدم مشاريع  لها خصوصيتها بالنسبة إلى الواقع المصري الأليم، وإنما كان جل هذه المشاريع يصب في خانة الفرنسيين بشكل أكبر وأوضح.

ودليل ذلك أن كل هؤلاء الأعلام غضوا الطرف تمامًا عن سلبيات المجتمع  الفرنسي وسياساته تجاهنا وهي سلبيات في حقيقتها ليست بالقليلة.  ونحن هنا  نكتفي بذكر مثال واحد منها وهو يختص بذلك التمثال المخيف الذي يربض أمام ساحة الكوليج دو فرانس هذا الكيان الذي يعد أكبر وأعرق مؤسسة تعليمية في فرنسا، وهذا التمثال المقيم حاليا في ساحة الكوليج  يصور السيد شامبليون -  وهو أحد العلماء المبرزين الذين رافقوا الحملة الفرنسية على مصر والذي فك رموز حجر رشيد -  وهو يدوس بحذائه على رأس أحد الفراعنة المصريين القدماء. وهو التمثال الذي يتضح أنه يبعث إلينا برسالة عنيفة من قبل فرنسا مفادها أننا الأقوى وأنتم الأضعف، وأننا الأعلى وأنتم في أسفل سافلين.

الأخطر من هذا الأمر أن أحدًا من كل هؤلاء المبعوثين لم يشر في أي من مؤلفاته العظيمة  ولو مجرد إشارة عابرة لهذا التمثال المهين وهو ما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول توجهاتهم ومرجعياتهم الفكرية  جميعا.

وإننا عندما واجهنا الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي باعتباره الوحيد الباقي من هؤلاء على قيد الحياة، وباعتباره أيضا أكثر المبعوثين احتكاكًا بالثقافة الفرنسية حيث عاش هناك أكثر من سبعة عشر عامًا. عندما واجهناه أخذته (العصبية) الفرنسية وتنكر للأمر برمته، بل لقد نفى تماما وجود هذا التمثال رغم أن الدكتور جابر عصفور عندما كان وزيرا للثقافة كان قد أرسل  في العام 2015 رسالة إلى السفارة الفرنسة مطالبا بإزالة هذا التمثال لكن لم يستمع أحد إلى كلامه طبعا، لكن الشاهد  هنا أن جابر عصفور لم يكن يتوهم قط  وجود هذا التمثال لا سيما أنه كان في موقع المسؤولية آنذاك.

كما أن  هناك شاهدًا  آخر مهمًّا  كان قد أقر بوجود هذا التمثال وهو الدكتور محمد على الكردي وهو متخصص في الأدب الفرنسي، حيث أشار إلى وجود هذا التمثال في كتابه "ألوان من النقد الفرنسي المعاصر"  فهل كان الكردي يتوهم هو الآخر وجود هذا التمثال؟

لكن الشاهد الأبرز هنا هو الدكتور حامد طاهر الذي كان قد حصل على الدكتوراه من السوربون عام 1981م، فقد أكد وجود هذا التمثال وذلك في مقدمة ديوانه الصادر عام 1984م حيث قال بالنص في صفحة 42 : "لقد كتب توفيق الحكيم عن رحلته إلى باريس، ومن قبله رفاعة الطهطاوي، وفي ما بعد يحيى حقي.. ولم يتحدث واحد من هؤلاء عن منظر سيئ رأيته في باريس، وكان يملؤني بالغضب والاشمئزاز. ففي فضاء  الكوليج دو فرانس تمثال ضخم لشامبليون الذي فك رموز حجر رشيد، وإحدى قدميه موضوعة تمامًا على رأس فرعون مصري".

إن هذا التمثال المخزي لنا جميعا كان بحد ذاته معركة غاية في الأهمية، و كان يجب أن يتصدى لها كل هؤلاء المثقفين الأعلام الذين ذهبوا إلى بلاد النور، لكنهم تخاذلوا فيها ربما انحيازا لفرنسا  التي كانت قد قدمت لهم كل الامتيازات التي لم يحلموا بها قط، فإذا كان كل هؤلاء لم يروا هذا التمثال فتلك فضيحة، وإذا كانوا رأوه ثم تنكروا لوجوده لحاجة في نفوسهم فتلك فضائح لا حصر لها، والكلام هنا موجه أكثر إلى الأستاذ الكبير أحمد عبد المعطي حجازي باعتباره آخر المبعوثين إلى بلاد النور.