بتـــانة نيوز -  شعبان يوسف .. يكتب عن  " بائع اللب الذى أصبح أشهر كاتب قصة فى مصر "

منذ مطلع خمسينيات القرن الماضى، تعودت مجلات "قصص للجميع"، و"نداء القصة"، و"روز اليوسف"، ثم "التحرير"، و"الرسالة الجديدة"، و"قصتى"، وغيرها من المجلات والصحف، على أن تتلقى قصصا قصيرة من شاب يقطن فى مدينة الأسكندرية، اسمه محمد حافظ رجب، وكان يذيّل اسمه مرة بـ "رئيس رابطة الأدباء بالأسكندرية"، ومرة أخرى بـ"بائع لب وسودانى بمحطة رمل اسكندرية" وكانت تحظى تلك القصص باهتمام المحررين، فينشر بعضها، أو تنشر أجزاء من تلك القصص، وكانت قصص كثيرة تنال ردودا مقتضبة أو مطولة من المحررين، وكانت قصته الأولى التى نشرت فى مجلة "الرسالة الجديدة"، بعيدا عن بريد القراء وخلافه، عنوانها "الصحراء"، فى ديسمبر 1956، وكانت مجلة الرسالة تنشر آنذاك لكتّاب كبار من طراز طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور، وغيرهم، وكانت المجلة تنشر رواية "بين القصرين" لنجيب محفوظ مسلسلة.

جاءت قصة "الصحراء" برسوم الفنان الكبير"جمال قطب"، وكانت تتحدث عن حفر قناة السويس، والقصة كانت تمتزج مع المناخ الذى كان سائدا آنذاك، حيث الحرب والعدوان الثلاثى والمقاومة المسلحة وبسالة شعب بورسعيد، والنساء عندما خرجن للمقاومة بكل الأسلحة المنزلية الفتّاكة، وكانت الروح الوطنية عالية للغاية، وكانت خطب جمال عبد الناصر تفعل فعلها الجبار، فى ذلك العدد من المجلة كتب الشاعر صلاح الدين عبد الصبور قصيدته الشهيرة "شنق زهران"، إذ أن كل مبدع كان يستدعى حالة من التاريخ لشحذ الروح الشعبية المستعدة لذلك الشحذ، وكانت قصة حافظ رجب تحكى قصة رجل عجوز يجمع حوله عددا من الجنود ليسرد عليهم، قصة حفر قنانة السويس، ويؤكد بأن القناة مصرية، حفرها المصريون بسواعدهم، ولكن تحت سياط الأجانب، وظلّ هناك ثأر بين المصريين والاحتلال طوال عقود عديدة، حتى حانت اللحظة للانتقام فى واقعة العدوان الثلاثى.

لم تكن قصة حافظ رجب، خارجة عن السياق الواقعى الذى كان سائدا فى تلك المرحلة، وكان يوسف ادريس ونجيب محفوظ يمثلان قمة ذلك الاتجاه من الزاوية الإبداعية، وعلى ضفافهما كانت كتابات كثيرة لعبدالله الطوخى وصالح مرسى وسليمان فياض وصبرى العسكرى وأبو المعاطى أبو النجا وعبد الرحمن الشرقاوى وألفريد فرج ونعمان عاشور وغيرهم، وكان أبرز النقاد والمنظرين لهذا الاتجاه هم محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، وجسّا ذلك فى كتابهما "فى الثقافة المصرية"  الذى صدر عام 1955، وأحدث حالة من الحراك والجدل الواسع والعميق فى الوقت نفسه.

بعدها ظلّ محمد حافظ رجب يكتب فى المجلات والصحف، ونشر قصة أخرى عام 1957 فى جريدة المساء، وعلّق عليها الشاعر صلاح عبد الصبور، مستحسنا التوجه الجديد الذى يسلكه الكاتب، وكان عبد الصبور هو أول من أشار إلى ذلك التوجه الذى يسعى لتجاوز الواقعية، حتى جاء عام 1960، ونشرت مجموعة قصصية تحت عنوان "عيش وملح"، لستة مؤلفين شباب هم عز الدين نجيب والدسوقى فهمى ومحمد جاد والسيد خميس شاهين "الشهير بسيد خميس"، ومحمد حافظ رجب وعباس محمد عباس، وقدّم للمجموعة الكاتب الكبير يحيي حقى، وأثنى حقّى على الكتّاب بشكل لافت، وأسماهم جيل "عيش وملح" الجديد، ذلك الجيل الذى يحاول أن يكسر عمود الواقعية.

من هنا بدأت مشروعية حافظ رجب تتسع، وبدأت قصصه تنشر هنا وهناك، ومن بين المجلات التى نشرت له آنذاك، مجلتا "الآداب والحرية" اللبنانيتين، ولأن الحرب كانت قوية فى ذلك الوقت بين جيلى الشباب والشيوخ، أطلق صيحة "نحن جيل بلا أساتذة"، رغم أن ابراهيم أصلان ينسب تلك الصيحة إلى سيد خميس، بعدها طلبه يوسف السباعى الأمين العام للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، لكى يعمل موظفا هناك، وبالفعل ترك حافظ رجب الاسكندرية، ليعمل فى المجلس، ويتعرّف على رفاقه من كتّاب القصة القصيرة فى القاهرة، ابراهيم أصلان وضياء الشرقاوى وبهاء طاهر وصبرى حافظ وغيرهم.

ومن ثم بدأت المجلات تهتم بذلك الكاتب العصامى والصاعد والذى جذب حوله أبناء جيله، وطلبت منه مجلة الهلال أن يكتب شهادته، فكتب شهادة عنوانها "مذكرات .. بائع لب"، وذلك فى أكتوبر 1962، نقتبس منها بعض المقتطفات، فيقول فى مطلعها :"حبيب إلى كل ما يذكّرنى بها .. حبيب إلى كل من يحدثنى عنها.. إنها محطة الرمل بالأسكندرية، المكان الذى تعيش ذكراه حيّة دائما بين ناظرى.. فهناك على أحد الأرصفة بجوار سينما "ستراند"، بدأت الحياة مع أبى.. وبين عشرات الباعة، الشيخ عبده وعلى الأبيض وحمد الانجليزى وحسين الأعمى... بدأت أخطو خطوات العمر الأولى .. ومن قراطيس اللب الذى كنت أبيعه ومن عشرات المجلات والكتب التى كان يبيعها هؤلاء الأصدقاء رحت أتلمس البحث عن السطور.. كان أبى بائعا قديما بينهم.. وكانوا يعتبرونه (معلّما)، فقد كان أكثرهم حركة وأكثرهم مكسبا وأكثرهم خسارة.. وكنت وحيدا من بين عشرة ، ماتوا جميعا .. ربما من الجوع ، رغم الحكمة التى تقول : لا أحد يموت من الجوع .. وكان عمرى سبع سنوات عندما كنت قد درت على عدة مدارس صغيرة تعلمت منها كيف أقرأ وأكتب .. ثم أدخلنى أبى المدرسة الابتدائية على أن أكسب قوت يومى ببيع اللب والفول السودانى والبندق ، فبعدت عن ذلك العالم السحرى.. عالم الطفولة والصبا.. وانغرست أقدامى فى عالم جديد أجبرت على البقاء فيه.. ولم أجد مايشجعنى على الاستمرار سوى تلك الأوراق الحبيبة التى أقرؤها .. وأذكر أننى فى هذه الفترة كنت أقرأ مجلات البلبل والهلال معا!، وبدأت عواصف تغزو بيتنا الذى كان يترنح بسبب المشاجرات الدائمة بين أمى وأبى .. كانت أمى لا تحتمل وكان أبى أكثر عنفا.. وبين يوم وليلة تم الطلاق بين أبى وأمى.. وجاءت سيدة أخرى احتلت مكانها ، وأحسست أن عرشى قد تهاوى.. وبدأ كالعادة الصراع بينها وبينى وكنت فى الثالثة عشرة عندما لحقت بأمى ورحنا ننتقل معا بين بيوت الأقارب.."

شهادة محمد حافظ رجب طويلة، وربما ننشرها قريبا كاملة،ولكنه كتبها بعد أن نال بعضا من الاستقرار، والثقة بالنفس، واحترام الآخرين، والتقدير له، ووصفه بأنه أحد، بل من طليعة المجددين فى القصة القصيرة بعد يوسف ادريس، وكانت المجلات المحلية المرموقة تنشر له ، مثل مجلات "الثقافة والرسالة والمجلة والقصة"، وفى أغسطس 1966 أعدّ يحيي حقى عددا كاملا من المجلة لتقديم الجيل الجديد من الكتّاب، ونشر قصة "مخلوقات براد الشاى المغلى"، وتبدأ القصة بفقرة تكاد تكون غرائبية، تقول الفقرة :"أنا رجل تكتنفنى الغربة فى كل الأركان.. توقفت عن المسير مؤقتا.. أجلس الآن داخل علبة سجائر فوق رفّ.. أعرض فوقها الحظ معلقا فوق حبل : أوراق يانصيب.."، وكان يحيي حقى قد كلّف بعض الكتّاب والنقاد الكبار والمرموقين أن يشارك كل منهم بكتابة مقال نقدى عن كل قصة من القصص المنشورة، واختار يحيي حقى _رئيس التحرير_ أن يكتب بنفسه عن حافظ رجب، فقال فى مطلع مقاله تعليقا على تلك القصة :"من يعرف القصص التى أتيح للأستاذ محمد حافظ رجب أن ينشرها _واحدة منها فى العدد السابق من المجلة_ لن تفاجئه هذه القصة، إنه يتميز بأسلوب يدل عليه ، ويكاد هو ينفرد به ، وأعنى بالأسلوب ، المضمون والشكل واللغة، أسلوب يعد فى نظرى من نسل المذهب السريالى الذى ظهر فى أوروبا حين ساد شعور بالحيرة والتمزق والضياع بعد الحرب العالمية الأولى، ثار على الواقعية والرومانسية معا وغطس لأذنيه فى عالم الأحلام والتلقائية وااللاوعى ، يزعم أنه يرفض إحناء رأسه للنفاق والخداع الاجتماعى، له احتقار للمعنى المفهوم لصالح الغموض الكاشف لعوالم أخرى.."، ويسترسل يحيي حقى فى أن يتقصى قراءة القصة بطريقته الخاصة، معلنا احتفاءه بذلك الكاتب المدهش، رغم تحفظاته واختلاف طريقتيهما فى الكتابة، ولكنه يحترم الكاتب الذى يصرّ على مايكتب، ولا ينقلب بسهولة، أمام أى فرصة نشر تسنح له فى مجلات أو صحف مرموقة، ولكنها تشترط تغييرات أو تعديلات.

فى عام 1968 أصدر حافظ رجب مجموعتين من القصص القصيرة، وهما  "غرباء" و"الكرة ورأس الرجل"و "، وكان قد بلغ حافظ رجب من الشهرة أوسعها وأقصاها، والتفت له نقاد مرموقون، وظل غائبا لمدة عشر سنوات، ليعود بعدها بمجموعته "مخلوقات براد الشاى المغلى"، وصدرت عن دار آتون، وكان صاحبها كامل الكفراوى، وكتب تذييلا نقديا لها الشاعر الراحل حسين على محمد، وتم نشر تنويه فى ذيل الكتاب عن إصدار قادم عنوانه "جيل بلا أساتذة.. دراسات فى أدب محمد حافظ رجب، بأقلام : يحيي حقى، رشدى صالح، محمد فريد أبو حديد، حسين على محمد، حسن محسب، عبد المغنى سعيد"، وبالطبع لم ينشر ذلك الكتاب، ولكن حافظ رجب شقّ طريقه بقوة _أطال الله فى عمره_ ، وأصدر سلسلة من المجموعات القصصية، وتم نشرها فى مجلدين، لتصدر عن دار "العين " منذ سنوات، ولكن للأسف لم يتم الاحتفاء بالرجل ولا بإبداعه على أى وجه من الوجوه، ولم ترشحه أى جهة من الجهات المؤسسية العملاقة لكى يحصل على جائزة من جوائز الدولة الكبرى، لعلها تحل جانبا من جوانب غربته الظالمة له ولنا.