بتـــانة نيوز - "تخاريف صائم" .. في انتظار القادم

 

كانت تمر الليالي الختامية من العام الهجري وكأنها الأيام الأخيرة لرجل طاعن في السن يزفر أنفاسه الأخيرة كي يرتاح من عناء الدنيا. بمجرد أن ينتهي عيد الأضحى المبارك في رابع أيامه كنت أشعر بانتهاء البهحة، وأن عليَّ الانتظار طويلا لاستئناف مشاعر الدفء والسعادة. ولكن ما تلبث احتفالات العام الجديد بالهجرة النبوية أن تبدأ بعد أيام معدودات، وكنا ننبهر في طفولتنا بقصة العنكبوت الذي نسج خيوطه على فوهة غار ثور، والحمامة التي كانت تنتظر مجيء النبي وصاحبه حتى تضع بيضتيها في اللحظة المناسبة. وكم كنت سعيدا بنتيجة ميلادية تزين حائط صالتنا، وكان مرسوما عليها صورة لبيت العنكبوت والحمامتين في إحدى سنوات طفولتي الأولى، وأستمع بشغف إلى حكايات الهجرة ومعجزات النبي، وملاحقة سراقة للصاحبين دون جدوى، قبل أن يفسد على مخيلتي الاستمتاع بتلك الحكايات من ألقى في روعي لاحقا بعد اكتساب بعض الوعي في صباي أن حديث العنكبوت والحمام ضعيف الإسناد. لكن هذا لم يمنعني من الاستمتاع بمشاهد فيلم فجر الإسلام أو الطرب لأغنيات فيلم الشيماء.

 

وما هي إلا ليال قليلة حتى تطل علينا ذكرى عاشوراء، ونتلذذ فيها بالتهام الأرز باللبن. ثم تمر الأسابيع بطيئة بلا مشوقات أو مثيرات حتى أجد فجأة دكاكين قريتي وقد امتلأت بعرائس المولد، وأحصنة الحلوى، فإذا اصطحبني والدي إلى المنصورة ذات مساء عدت مبهورا بالزينة والمصابيح الملونة التي تزين المحلات، ولم أعد إلى منزلنا إلا بحصاني الأحمر يعتليه فارس ممسك بسيف من الحلوى. وودت حينها أن أحتفظ بحصاني فلا آكله، ولكني كلما اشتهيت الحلوى قضمت قطعة بقطعة بحيث أحتفظ برأس الحصان لتكون آخر ما أتناوله في مساء يوم المولد النبوي.

 

بعد قليل أتابع الكبار يتساءلون فيما بينهم عن بداية رجب، وأكتشف بدايته مع صوم أمي أول ثلاثة أيام منه، ثم تعود محلات الحلوى للتزين من جديد مع اقتراب ذكرى الإسراء والمعراج، وهنا يبدأ الناس في العد التنازلي انتظارا لقدوم رمضان وتبدأ ربات البيوت في تربية الفراخ والبط. وتدريجيا يحل التمر والياميش وقمر الدين محل الحلويات في الحوانيت.

رمضان هو الموسم السنوي، والحد الفاصل بين سنة أخرى. كثيرا ما ينسب إليه الناس تواريخهم وأحداثهم؛ فيقال: فلان تزوج بعد رمضان الماضي، أو فلانة ولدت قبل رمضان من عامنا الأول، وهكذا ينتظر الصغار والكبار، ويستعدون للقادم العزيز الذي يغير الحياة وتفاصيلها وأيامها ولياليها. وبعد أن يمضي لا يخفف عنهم رحيله إلا فرحة عيد الفطر بعده. ثم تجري فترة ما بين العيدين وكأنها وقت مستقطع من العام. تمر السنة كلها ذكريات تتوالى، وطقوسا توارثناها منذ عهد الفاطميين منذ ما يزيد على الألف عام، وربما قبل ذلك بسنوات في عهد الإخشيد، فقد أثر عنه اهتمامه بالمناسبات الدينية واحتفاله بها.

 

لكأني بالأسابيع تمرق، وبالشهور تمر مر السحاب لتصل بنا إلى الشهر الفضيل بنهاراته الصافية، ولياليه الصاخبة. كانت تهل نسائمه من بعيد بمجرد دخول رجب الفرد، وكانت تقترب أكثر وأكثر بقدوم شعبان، حتى إذا احتفلنا في الجامع الجديد بليلة النصف منه، يبدأ الترقب الشغوف، والاستعداد النهائي لذلك الضيف الخفيف على نفوسنا، الغالي على قلوبنا. فإذا احتفل مفتي الديار المصرية باستطلاع هلال الشهر كنا نتحلق حول التلفاز في انتظار البشرى بالقادم العزيز. وبعد أن يقرأ الشيخ أحمد نعينع من سورة البقرة: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن..." ننتظر بفروغ صبر هبوب ريح الشهر الطيبة مع إعلان المفتي مقدم الخيرات والبركات.