«ابنة الرايخ الثاني» فصل من رواية «ترتر» للكاتب العراقى نزار عبدالستار

احتاجت آينور هانز إلى ستة أيام كي تقع في غرام الله. كان يوم الإثنين الرابع والعشرون من تشرين الأول عابساً إلى ساعة الظهيرة، ففي التاسعة صباحاً، تلقَّت من مديرها في برلين لينوس غينشر تلغرافاً يُبلغها باستغناء وكالة توماس كوك للسفر عن خدماتها، وأنَّ بإمكانها، يوم الخميس، الحصول من البنك العثماني على خمسة وعشرين ألفَ قرشٍ، مكافأة للرعاية التي قدَّمتها للإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني في رحلته إلى الشرق.

كانت إسطنبول معتمة الأفق، ومبللة منذ الأمس، إلا أنها لا تزال مبتهجة بزيارة الإمبراطور الذي غادرها السبت متجهاً بيخته إلى حيفا. بقيت أعلام النسر الملكي، والطغراء المذهبة تملأ شاطئ البوسفور، بينما كانت الألعابُ الناريَّة، في اليومين الماضيين، تستأنف انفجاراتها الملوَّنة ليلاً عند استراحات المطر. انكسرت لهفة آينور في شراء خاتم من محال بوي بكى، ودفعها قلقُها، بعد تسلّمها التلغراف، للتوجُّه إلى منطقة بك أوغلى بدلاً منْ سوق قبالي جارشى، والسؤال في السفارة الألمانية إن كانت هناك توجيهات وصلت من الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا بشأنها؟. لم تنتبه آينور إلى الإرباك الذي أحدثته، فقد كانت فرقة خيَّالة أرطغرل، المكوَّنة من خمسمئة فارس، ملتزمة بالاستمرار في حفاوة واجب الحراسة التكريمية إلى أن تطأ أقدام الإمبراطور الألماني أرضَ بلاده، وعندما خرجت آينور من قصر يلدز شاله بالعربة الأرجوانيَّة المعلَّمة بالتاج، تبعها ستة من الخيَّالة ببزاتهم الاستعراضيَّة البيض، وطرابيشهم الحمر، وسيوفهم المذهَّبة. ولحظة تبيَّن لها أنَّ الأنفاس أحتبست، والجميع وقفوا احتراماً لها، بما فيهم تجَّار جلود شراكسة تفوح منهم تفاعلات حامضية، أوضحت لموظف الاستقبال إنها تنتظر ترخيصاً بالسفر إلى بيروت على الباخرة ديلبروك الحربيَّة، كي تكون في يوم الثاني عشر من تشرين الثاني برفقة أسرة الإمبراطور عند العودة إلى ألمانيا. فتحوا لها قاعة للاجتماعات رُسمَ على ضلعها الأيمن الانتصار البروسي على فرنسا في معركة سيدان، لكن آينور انجذبت لستارة حمراء مفروشة على عرض صدر القاعة نُقشَ عليها النسرُ الإمبراطوري الأسود. ميَّزت اللمعة كنداءٍ بعيدٍ. دارتْ حولَ طاولة من خشب الجوز، سمكيَّة الشكل، ودنت من القماش المربَّع المتدلي بتوتّرٍ كشراعٍ من زاويتي السقف، متطلعة بانبهار إلى الحجم الكبير للسطوة. خلعت قفَّازها الطحلبي، ومرَّرت أصابعها على حلقات الترتر المعدنيَّة الرقيقة، المثقوبة من الأعلى، التي جعلها الميلان تبدو متدرجة، وكثيفة كريشٍ حادٍ، يضرب رياحاً وهميةً. شدَّتها خفقات الضوء في الرقبة الطويلة، والرأس المنفعل، وجرَّها الشغف إلى أخذ خطوة نحو اليسار متتبعةً بعينيها اللاهثتين اللسانَ القرمزي النافر حتى صار خصرها بين مخلبي النسر الأحمرين.

تنبَّهت آينور لدخول رجل صاخب الخطوات. بدا مظهره أقل شأناً من زهوه. قدَّم نفسه بصفته مستشاراً للسفير. طلب منها البقاء في قصر يلدز شاله، وانتظار توجيهات رئيس تشريفات السلطان، وإذا ما كانت تحتفظ بأي أوراقٍ تخص وكالة توماس كوك، فإن عليها تسليمها إلى السفارة. ونصحها، بشيء من المواساة، توديع معارفها في إسطنبول، لأنَّها قد لا تجد الوقت الكافي في اليومين القادمين.

واجهته آينور بنظرة متعالية، قبل أن تسأله وهي ترتدي قفّازها:

ـ هل هذا كلام الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا، أم السفير البارون فون مارشال، أم كلامك أنت؟

أجاب بارتباك:

ـ هذا ما أرادَ وزيرُ الخارجيَّة إيصاله إليكِ آنسة هانز.

سارت آينور إلى الزاوية. التحمَ ظلها بألوانِ معركة سيدان. وقفت باعتدادٍ خلفَ مدفعٍ بروسيٍ ضخمٍ يطلق النارَ، وقالت للمستشار بنبرة صارمة:

ـ لا يُمكنني الوثوق بالوزير برنار فون بولو، والتخلّي عن وعد الإمبراطورة بأنْ أبقى في إسطنبول ثلاثة أيام ثم أبحر إلى بيروت كي أكون برفقتها عند العودة إلى ألمانيا. وإذا كانت وكالة توماس كوك الإنكليزية قد استغنت عن خدماتي، فهل معنى هذا أنني لم أعد ألمانية الجنسيّة؟.. قل للبارون إني أمهِله حتى صباح الغد كي يردَّ بوضوحٍ واحترامٍ، إنْ كانَ مرخصاً لي السفر إلى بيروت، أم لا؟

غلبها الشعور بالخيبة وهي تقترب من حي بشكطاش كي تودّع خالتها نازان. لامتْ نفسها لأنَّها تمسَّكتْ بوعدٍ هشٍ، ولم تقدّر الذين يمجدون صرامة بسمارك الغاربة، وينظرون باستخفاف إلى المزاج الإمبراطوري المتقلِّب. أمرت الحوذي بالبحث، في الجوار، عن نسخة من جريدة إقدام. تفاجأت بوجود خمس قريبات، تجاوزنَ السبعين، جئنَ يكرّرنَ العزاء بمرور السنة الأولى على وفاة زوج الخالة. بدت آينور على خطأ فور ظهورها باللون الأخضر، في جاكيتها البوليرو، وتنورتها الطويلة، وقبعتها اللبّادية، وحقيبة يدها الأجاصيَّة الشَّكل، وكان عليها تقبّل العادة الشرقيَّة في التعريف بصغار العائلة، فاستمعت من خالتها إلى حكايات عارها الطفولي، حين كانت تتبوَّل في فراشها إلى سن العاشرة، وتتخلَّى سريعاً عن ملابسها الداخلية ما إن يطلب الصبيان منها ذلك. أظهرت الخالة لوعةً آسفةً وهي تُخبر قريباتها إن ابنة أختها في السابعة والعشرين، ولم تتزوج بعد. وفي النهاية اضطرت آينور، وهي متوجِّعة من حظها، إلى شمول الجميع بالتوديع، فقبَّلت أياديهنَّ، وهي تمقت نفسها، وقلبها مخرمش.

دقَّقت آينور، في طريق عودتها إلى قصر يلدز شاله، بما كتبته جريدة إقدام عن تفاصيل زيارة الإمبراطور إلى حيفا، فلم تعثر على أي تغيير في الخطة التي وضعتها، لكنَّها صُدمت بالاستهزاء الذي أبدته إقدام في تعليقها على صحيفة الأهرام المصرية التي عدَّت التحالف بين ألمانيا، والسلطنة محضَ وهمٍ، فقد تمَّ الاتفاق في اجتماعات برلين المشتركة على تجاهل آراء المصريين، والاهتمام بالصحف اللبنانية، والسورية. كانت أبنية منطقة بشكطاش تتبارى بطرازي الباروك، والروكوكو، وتبدو الأفاريز، وهياكل الشرفات لامعةً رغم حشمة ضوء السماء. ضيَّق الحزن أضلعها، فانقبضت أنفاسها، وراحت مناظر الطريق تتعاقب أمام عينيها كلونٍ باهتٍ. قبل ثلاثة أيام كانت واثقة من كسب ثقة أسرة هوهنزولرن بمثابرتها الصائبة، إلا أنها في هذه الظهيرة لا تملك، لمداواة كآبتها، سوى الرغبة في النوم.

أعلمها الطبّاخ أن شيئاً مميزاً سينتظرها على الغداء. لم تعثر في القصر على أي تقشفٍ غير لطيفٍ بشأن إقامتها في جناح السلاملك، ولم تنجح، بعدها بساعة، في إرغام شهيَّتها على إنهاء أكل قطعة واحدة من أفخاذ الأرانب المحمَّرة مع الفطر، والبصل المطبوخة على طريقة بورغوني الفرنسية. عاودها الأسى في صالة الطعام ذات الأبواب المغلفة بالصدف. تسارعت نبضات قلبها وهي تنبش عن التقصير الذي جعلَ غينشر يوجّه إليها هذه الصدمة. شعرت بالبرد الخريفي في قدميها ما إن نفَّذ الخدم أمرها في إرخاء المشابك الخشبية للنوافذ. انكمشت روحها من الرائحة الدهنيَّة التي تحرَّكت في طبق أفخاذ الأرانب، ومرَّ ببالا قول الإمبراطورة إن الرجال لا يثقون أبداً برحم إمرأة لها اهتمامات سياسيَّة

لم يمنعها أحد، بعد سفر الإمبراطور إلى حيفا، من ترك الحرملك، والانتقال إلى جناح السلاملك، والنوم على سرير فيلهلم الثاني الذي يشبه بهيكل مسند الرأس مخططاً خارجياً لكنيسة على الطراز البازيليكي. بدأ الأمر حين استدعاها الإمبراطور للتواجد في الصالون الكبير مع الإمبراطورة، وزوجة السفير عند استقباله الوفود الشعبية، وأخذ يلحقها بزياراته، فكانت تستقلّ العربة الثانية برفقة وزير الخارجية برنار فون بولو الذي لم يكتم انزعاجه، ولجأ إلى الإمبراطورة لينبهها إلى ضعف التمييز لدى رجال هذه البلاد، فيمكن لأي امرأة أوروبية، جيدة الأناقة، أن يشتبه بأنها إمبراطورة. فقالت له أوغستا فيكتوريا إن السلطان عبد الحميد الثاني سلَّم جيشه إلى المستشارين العسكريين الألمان، لذلك عليه تحمُّل مجاملة الإمبراطور فيلهلم لتشكيلات يلدز الاستخباراتية، في تقريب مواطنة ألمانية من أمٍ عثمانية. كانت آينور تتجوَّل في القصر كلما تمرَّدت روحها، ملاحقة وشوشات الجمال في علاقات اللون الأحمر بالبيج والكرستال، فلكلِ قطعة صوت، ونداء، واستنجادات متوسِّلة. لم ينقص من الخدم أحد بعد مغادرة الإمبراطور وزوجته، وكانوا يشعلون الشموع في كل صالونات القصر، ويحرصون، قبل المغيب، على أن تبدأ مدافئ رورستنرانت السيراميكية العمودية كلها ببث حرارتها. كان القصر الذي يحوي مئة وثلاثين غرفة يلهب أحشاء آينور، ويجعلها محمرَّة الأنف، والوجنتين، ومدفوعة برغبة ملتوية إلى الاستحمام، فالصالون الكبير الذي بمساحة أربعمئة وخمسين متراً مربعاً، تغطيه بالكامل سجادة هيريكيه، من قطعة واحدة، مشغولة برسومات من حرير ناري، والشمعدانات الأرضيَّة الكريستاليَّة الضخمة التي لها كؤوس زنبقيَّة ملطَّخة بسيلان نبيذي، وعناقيد الثريَّات المتدليَّة من السقف المزخرف. كل هذا لم يُبتكر من أجل الضيوف الأغبياء، والهتافات الجوفاء، ولا حتى من أجل عراقة أسرة هوهنزولرن البروسيَّة. وحدها آينور هانز التي كانت تسمع ضحكة أثيرية ساخرة، يستقرُّ صداها في عمق جسدها الرطب، فتغلق باب الصالة الكبيرة عليها، وتخلعُ ثوبها لتبقى بالصدرية والسروال الداخلي، تمتحن لياقتها في الجري السريع حتى ينهك صدرها، تجلس على كرسي فيلهلم الثاني المذهَّب مقلدة حركاته الانفعالية، مرتجلة بصوت هزلي مضخَّم، خطاباً إمبراطورياً أحمقَ مرطباً باللعاب، ثم تقفز محاكية الباشوات الأتراك في اهتزازات كروشهم، واعوجاج أفواههم، وحين ينالها الإرهاق، تستلقي بلهاثها المتعرِّق على سجادة هيريكيه، بوضعية الصلب، تحت ثريا كريستاليَّة، متطلِّعة إلى ارتجافات اللمعة بفعل الهواء الساخن، متخيلة صراعات شبق الآلهة، وشاعرة بنشوة لؤلؤية

نظرت آينور بشفقة إلى العصفورين الخشبيين الواقفين على مسند قدمي سرير فيلهلم الثاني قبل أن تغطيهما بتنورتها وتتجه إلى المغسلة الرخاميَّة الخضراء التي بحوضين صغيرين، وتشبه بلوحيها الجانبيين منضدة كتابة من طراز القرن الثامن عشر. رجَّحت، وهي تبلل وجهها، أنَّ الإمبراطور لم يسعد أبداً بالمغسلة، لكنه تفهَّم الحاجة العثمانية للتقرُّب إلى الله. لم تتوصل، في اليومين الماضيين، إلى الغرض من تلك الأدوات الفضية الموضوعة أسفل المرآة، لكنها كانت في كل مرة تتذكَّر بوق سماعة نبض الجنين المضحِكة التي يستعملها أطباء ألمانيا. استلقت على السرير وهي عارية تماماً، متلمسة كثافة شعر عانَتها. لم تهدأ أنفاسها رغم مرور الوقت الكافي، وحين كانت تعادل في ذهنها ما يمكن فعله بالقروش العثمانية إذا ما عادت للتسكُّع في مدينة توبنغن، جاءت خادمتها بريتا لتُخبِرها أنَّ مبعوث رئيس تشريفات السلطان يسألها إن كانت ترغب في المساء بمشاهدة الاحتفالات العفويَّة للإيطاليين، واليونانيين، وجماعة تركيا الفتاة الذين أمر السلطان عبد الحميد الثاني إطلاق سراحهم؟

***

حين دخل اليخت الإمبراطوري مضيق الدردنيل في السابع عشر من تشرين الأول برفقة البارجتين هيرتا وهيلا، كانت آينور هانز قد كسبت قلب الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا وجردتها من القلق. لم يغادرها طوال سنة من العمل مع وكالة توماس كوك للسفر الإحساس أنها تعيش خدعة كبيرة. كانت قد تدرَّبت في مدرسة الطب بتوبنغن لسنتين لتكون مساعدة طبيب توليد، لذلك بدت شُجاعة بما يكفي لإجهاض أولَ جنين زرعه فيها مصمم أزياء فاشل اسمه رودولف كارل. تقبَّلت آينور الكثير من الضفادع قبل أن تُخدع بأميرها الوسيم. كان رودولف قد انتهى إلى طموح استعادة مجد الأرداف المستعارة، وكانت آينور تسير في طرقات توبنغن الغافية وهي بردف مزيّف ضخم، مصاغ بحشوات مضغوطة من شعر الحصان، وشبكة سلكية دفينة، كي تذكّر الرجال بإلهامهم المسلوب في حب الثقوب الصغيرة. لم يكنْ بوسع رودولف الاعتراف بالفشل، وبالمقابل كانت آينور مفتونة بتقليد أمها العثمانية في البدانة، وابتكار مضاجعات من وحي الغرزة المتقاطعة على سجاد كالح، مع لمسة من هوس الآلهة الإغريقية في عرض الجسم لأشعة الشمس. تقلّب رودولف بين إغراءات الأزياء النابليونية، وسحر المخرمات الفالنسية، والتول، والباتيستا، وبين العصر الرومانسي الذي ساد قبل أربعة عقود، واعتمد مبدأ النفخ في أكمام الجيجيت، والبيريت، وخنق الخصر، ولكن آينور كانت متأثرة بخيال رودولف في تطريز الشالات، فهو موهوب جدا بكل ما يتعلق برونق جسدها، ويراها مرضعة عظيمة، ويعتقد أن أصابعها حلمات بقرة من سلالة الهوليشتان

لم تعرف الكثير عن أبيها الضابط الألماني الذي قُتل بعد ولادتها بسنة وأربعة أشهر، عن طريق الخطأ أثناء التدريب في ميدان الرماية، وتاهت حين اكتشفت في سن العاشرة أن أمها ناريمان رجعت إلى الدين الإسلامي متنازلة عن البروتستانتية التي اعتنقتها من أجل الحب. لم يحسّن الإسلام حظوظ أمها في الزواج مرة أخرى رغم أنها عاشت في إسطنبول ثلاث سنوات قبل أن ينالها اليأس، كما لم تتمكن آينور من تقبّل الدين الإسلامي لأنه يذكّرها بخيانة الحب. وحين نضجت لم تستطع الإبقاء على بروتستانتيتها لأنها تتنافى مع وثنية رودولف الذي كان طوله، ونحوله، وتشققات جلده النزيفية، تشير إلى أنَّ الرب الحقيقي هو تلك الدقائق القليلة التي تعاش بلا ألمٍ. وقبل أن تخسر ناريمان جمالها راحت تجمع، في برلين، كل ما فقدته من امتيازات عثمانيتها، فوسَّعت علاقتها بمنير باشا الذي كان يمسك بسلطة خفيّة تفوق ما للسفير العثماني من حيلة، وخلعت عن قلبها الأماني التقليدية الآفلة، وانغمست بالوفاء للدولة العليّة. ويوم سجن رودولف إثر دعوى قضائية رفعتها ضده شركة لانغهاينريش لأنه أتلف خمسة آلاف مفرش مائدة طعام بتطريزات تنبؤية معادية للشهية، كان على ناريمان استعادة ابنتها الوحيدة بأكثر الطرق استبداداً حتى أن انتحار رودولف في سجن توبنغن استحق شك آينور بعد أن رتّب لها أعوان منير باشا مضايقات عدة، فأحرقوا بيت رودولف الذي يأوي انتظارها، وحرّضوا الشرطة الألمانية السرية على مراقبتها وإزعاجها. وما إن عادت آينور بقلبها الكسير إلى برلين حتى ألحقها منير باشا بوظيفة مرشدة سياحية في وكالة توماس كوك للسفر التي أرسلتها بعد شهر واحد في رحلة إلى إسبانيا بلا أي استعدادات تدريبية، ثم صار بوسعها، بعدها، الرضوخ لاستعجال الوكالة بتحميلها أعباء التخطيط للمجاميع السياحية، وإغراء أغنياء إسطنبول بمباهج الحياة في أوروبا. كان رودولف الطويل المجنون يتهاوى في أعماقها إلى قاعٍ بعيدٍ، وهي لا تملك سوى الأسف. كانت حزينة لأنها اكتشفت أن الحب يحتاج إلى الزهد، بينما الحياة تتطلب الرفاهية. كل الأشياء التي تحيطها مطعونة بالشك، وغير مقنعة، ولكنها مضطرة للتمسك بابتسامتها مع اهتمام متكلّف لا تعرف آينور لماذا عليها إظهاره رغم شعورها الواثق أن ساعة فرارها من هذا العالم قريبة. عاش رودولف يحلم بالوصول، في يومٍ ما، إلى تنورة واحدة بدل الطبقات الكثيرة التي تجعل سيقان النساء تتعرَّق، وكان يقول لها إن المشكلة ليست في قلة عطاء الشمس، وإنما في قرار نابليون بونابرت الذي أطفأ مدافئ الحدائق كي يحارب الأقمشة الإنكليزية، لذلك بقيت متمسكة بيقين أن الناس يكافحون، طوال حياتهم، للتخلص من آثار أخطاء الآخرين، بينما هم في الحقيقة يصنعون المزيد من الأخطاء للذين سيولدون لاحقاً

لم تكن الوصاية العثمانية وحدها التي تتدخل لجعل وظيفة آينور تتقدم وتزدهر، فالإمبراطورية الألمانية كانت تستعين كثيراً بخدمات وكالة توماس كوك في إدارة بعض المؤتمرات التابعة لوزارة الخارجية، وأيضا في الإعداد لزيارات الوفود لبلدان أوروبا. اضطرت آينور إلى تعلّم التعامل الدبلوماسي، وتلقّت لأشهر دروساً صارمةً باللغة العربية، إلا أنها لم تسر كما يجب، وكانت تلمس في سلوك الآخرين معها مبالغة مفرطة، حتى أن أجرها كان يفوق القياسات. اضطرت في ظرف ستة أشهر إلى التخلي عن الوزن الزائد، والالتزام بالمظهر الحسن، وكانت تكتشف تناوباً مقصوداً بين العثمانيين، والألمان على جعلها واعية تماما للطريقة التي يسير بها العالم. أخذت تتخلّص بتسارعٍ من كل المعتقدات الاستخفافية التي أضافها رودولف إلى سلوكها، كما بات واضحاً أن جمالها تفتّح مع كثرة تواجدها في الحفلات السياسية التي يقيمها القصر، وبدأ طموحها ينمو، وأحلامها تتورد.

كانت آينور فخاً مغشوشاً بشكلٍ متقنٍ. باهتة البياض وشقراء، لكنها غير مأسورة في فساتينها، ولا مستسلمة للرقة، والرهافة الناعسة. مقطوفة من الحقول، لكن طبيعتها ليست زهرية، أو شجرية. وجهها طفولي، ويبدو من عينيها المدورتين المفتوحتين بلون تركوازي على دهشة دائمة، أنه لم يكمل نموه الجنيني بعد، لكنها شرسة، وقوية التحدي، وحواسها ذئبية. كل قياساتها دقيقة. التباعد بين الحاجبين. صغر الأنف، وتناسبه مع الفم المزموم على شكل القبلة. طول رقبتها المتعامد مع الغمازات في ظاهر كفيها. لا تهاب الذكور باعتبارهم شرفاً عضلياً صلداً، وتتوحش حين يحاول أحدهم اختصار المسافات معها. لم يستدرجها رودولف، فقد وجدها جاهزة لتكون نسخته الأنثوية المرافقة لقطبي نزوله من السماء. يستعمل هيكل جمالها في بروفاته الابتكارية متكهناً بأذواق المستقبل. اختبر علاقاتها التشكيلية مع العنب، والتفاح، والأوراق الخضر، فاكتشف أن الروح قطنية، واعتبر الأميركي إيلي ويتني أول نبي حقيقي أرسلته الآلهة عام 1793 بماكنة للحلج، وبفضل ثدييها الصلبين، كجبنٍ معتّق، أسس رودولف نظرية مغناطيس اصبع السبابة متأثراً في ذلك بمايكل أنجلو. يفصّل لآينور ما تبقى من الأقمشة التي تحوَّلت إلى فساتين زاهية، ويطلب منها أن ترحم فوضى الخامات، والألوان، وعبثية الأزرار، وتشتت الخيوط، فتشفق على قصاصات خانها القياس، وأعدمها المقص، وهي شاعرة مثله بالرثاء. ما كان باستطاعة أي رجل نبيل الإمساك باهتمامها لأن الكل كسالى، ولا يخططون لشيء إلا وفق ما يملكون من مال، ويكذبون بدافع الغرور، بينما الرجل الحقيقي الذي يستحق انتباهها يجب أن يقدّر محتوياتها، ويستلهم أنوثتها لإعادة تفسير الحياة، مثل رودولف الذي كان يدقق في عريها لساعات، قارئاً طالع العالم في برعم بظرها الوردي، ثم يذهب ليؤنب الآلهة على تأخرها في دعم عبقريته، متطلعاً، طوال الليل، إلى السماء، منتظراً سقوط شهب الأنبياء بماكناتهم العجيبة لتغيير العالم

بدأت تحضيرات زيارة الإمبراطور فيلهلم الثاني إلى الشرق في الأول من آذار. وقتها استقلت آينور بالسكن، وتركت أمها ناريمان تفعل ما بوسعها من أجل تحصيل السعادة. كان منير باشا قد انتقل إلى إسطنبول ليكون رئيس تشريفات السلطان، ولحقت به ناريمان، إلا أنها عادت للظهور في برلين في شهر تموز وهي منكسرة. عرض السلطان عبد الحميد الثاني على إمبراطور ألمانيا التكفل بكل نفقات الزيارة، إلا أن فيلهلم الثاني رفض ذلك، وتعاقد مع وكالة توماس كوك لتمويل رحلته على أساس الدفع بالآجل. كان الإمبراطور يتوقع اندلاع حرب أوروبا الكبرى في العام 1900 لذلك توجَّب عليه القيام برحلة حج إلى بيت المقدس، واستعراض هيبته أمام أنظار الروس، وإشعار الإنكليز بقوة تحالفاته، وشعبيته في الشرق. صمم وزير الخارجية برنار فون بولو مسار الرحلة على أهمية يوم الواحد والثلاثين من تشرين الأول عام 1898 وهو التاريخ الذي أصرَّ عليه الإمبراطور فيلهلم الثاني كي يدشن في بيت لحم كنيسة المخلّص الانجيلية الألمانية لأنه يتوافق مع ذكرى بدء حركة الإصلاح الديني في ألمانيا عام 1517 وكان على الإمبراطور السفر من إسطنبول بحراً إلى حيفا، ثم الوصول إلى القدس، وبعدها ينتقل بحراً إلى بيروت، ثم بالقطار إلى دمشق، ومنها إلى بعلبك ليعود إلى بلاده من ميناء بيروت. أبقت وكالة توماس كوك على هذه الخطة، لكنها كلّفت آينور هانز بإعداد التصور العام، والتشاور مع العثمانيين بشأن توقيتات كل مرحلة، والإضافات التكريمية التي يريدها السلطان عبد الحميد الثاني، فزودها منير باشا بكل ما يمكن له إبهار الإمبراطور الألماني، وجعله يشعر بكامل عظمته، فوضعت آينور خطة لشراء مستلزمات الرحلة من سجاد، وخيام مع إضفاء لمسة اعتناء فخمة في تصنيع أدوات مطبخية تذكارية، كما تعاقدت مع مترجمين، وطهاة، وخدم، وجرى شراء الجياد الخاصة لركوب الإمبراطور في فلسطين وسوريا، وشحنت في الثلاثين من أيلول إلى حيفا، لكنَّ هذا لم يكن لمعة آينور الكبرى، فقد اختيرت لتقدم الاستشارة للإمبراطورة أوغستا فيكتوريا بشأن ما عليها توخيه، وكيف لها ألا تؤثر بزيها، وسلوكها في مهابة الإمبراطور بين العرب,

جرى اللقاء في الساعة العاشرة صباحاً في القصر الإمبراطوري. استغرق وصول آينور إلى مكتب فيلهلم الثاني القريب من شرفة البرج وقتاً طويلاً، وكان عليها الإسراع خلف مرشدها العسكري الذي يسير بحركة استعراضية، والانتباه لخطواتها في ذلك الجو الباروكي المهيب من الأرضيات الحساسة، والتماثيل الشخصية المنحوتة بحركية توحي بالبطولة. انحنت آينور للإمبراطور الذي نظر إليها بعينين زرقاوين وهو متوازن الملامح بشاربيه الأشقرين المعقوفين إلى الأعلى، وجبينه العريض، وياقة الرقبة المقفلة بجذيلة ذهبية. كان المكتب الأسود الضخم يبدو مثل صندوق قبر روماني. لم يتكلم الإمبراطور وهو يتلقى شرحاً من مساعدين اثنين بشأن الأوراق التي تحتاج توقيعه، والأخرى التي تنتظر قراءته. أنقذتها الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا التي أخذتها إلى الجانب الأيمن حيث صفت الكراسي الفردية المذهَّبة. صرفت الإمبراطورة مرافقتها، وأذنت لآينور بالكلام. غادر الجميع فرفع الإمبراطور رأسه. التقت نظراتهما، فوقفت آينور، وانحنت ثانية، فقال لها بصوتٍ قوي النبرات، وهو يوجه إليها سبابة مرتخية:

ـ ستكونين برفقة الإمبراطورة على يختنا.. لقد كتبوا لي أنك ولدت في الثامن عشر من كانون الثاني عام 1871 أي في يوم الاتحاد الألماني العظيم، وتنصيب الإمبراطور فيلهلم الأول، ومعنى هذا أنك ابنة الرايخ الثاني. وأخبروني أشياءً أخرى، لكنني لا أحب الإشاعات التي تطلقها الشرطة السرية.

قالت آينور وهي تواجهه بعينيها:

ـ أشكر عظمة جلالتكم على هذه الثقة الكبيرة.. الشرطة السرية صادقة، لكني أعيش برعاية إمبراطور ألمانيا، وملك بروسيا، لذلك لا بدَّ أن أحب الحياة.

 كانت الإمبراطورة متريثة في قبول نصائح آينور التي لمست قلق أوغستا فيكتوريا بشأن الاختلاط بنساء الشرق، بينما أبدى الإمبراطور فيلهلم الثاني عدم اكتراث بكل التصورات، وطلب من زوجته التركيز على بهجة الهدايا المبهرة، والثمينة التي ستتلقاها من السلطان عبد الحميد الثاني. شعرت الإمبراطورة بالحرج، فقالت آينور وقد انتشت بالثقة:

ـ نساء الشرق بدينات جداً يا صاحبة الجلالة، ويأكلن الحلويات بكثرة، ولا يعرفن شيئاً عما يحدث خارج بيوتهن. لا يصح التكلم معهنَّ بالسياسة، ولا يجب الحديث عن جمال البلدان الأخرى وتطورها. يفخرن بالطعام، وأخلاقهن محددة بأدب طاعة الرجال.

كانت يد الإمبراطور اليسرى ثابتة طوال الوقت على كرة ذهبية موضوعة على المكتب، وقد وجد في هذا اللقاء فرصة لتجديد معارضته لهواجس زوجته:

ـ إنها رحلة مبهرة يا عزيزتي أوغستا. إعلان النصر على أوروبا كلها.. سأحمل للعثمانيين الكثير من المشاريع التي ستلحقهم بالتمدّن، وتزيل التخلف عن أراضيهم الشاسعة. ستعلّمهم ألمانيا كيف يستثمرون نفط الشرق، وسأزودهم بالسلاح، وأوافق على التوسع في تدريب جيوشهم، ومن دمشق سأعلن عن وضع ثلاثمئة مليون مسلم في العالم تحت حمايتي ما سيجعل إنكلترا المغرورة ترتجف، وسأبعد عن بيروت الشبح الفرنسي.. سأطردهم من الشرق يا عزيزتي أوغستا، لذلك أرجو أن تتحملي أكل طبق من تلك الحلوى مع نساء السلطان البدينات.. ما اسمها؟

ردت آينور:

ـ السوتلاج جلالتكم.

قال الإمبراطور بامتعاض:

ـ الأسماء العثمانية تحتاج إلى حبل ناقوس كي تُنطق.

اختلف الأمر بعدها بيومين، فاللقاء الثاني مع الإمبراطورة لم يكن ودوداً كما الأول، وخمّنت آينور أن شيئا سيتغير. كانت الحوارات، في اللقاءات الخمسة التي تمت، تأخذ مسارات تبعد كثيراً عن الرحلة إلى أن جاء الموعد السادس. قادوها هذه المرة إلى مكتب الإمبراطور بدلاً من توجهها إلى جناح الإمبراطورة. اكتشفت وهي تجلس بالقرب من فيلهلم الثاني أن الكرة الذهبية التي يضع عليها يده اليسرى محفورة بخريطة العالم. سألها بصوت سلس:

ـ إذا طُلب منك التضحية بسنوات طويلة من عمرك في سبيل خدمة مستقبل الإمبراطورية الألمانية، فهل ستقبلين؟

بادلته آينور النظرة العميقة نفسها، وأجابت:

ـ هذا شرف عظيم لابنة الرايخ الثاني.

ابتسم قائلاً:

ـ عودي إلى وكالة توماس كوك، واستعدي للسفر

عشية الإبحار إلى حيفا كانت الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا مفعمة بالمشاعر التي يحتاجها الفراق، إلا أن آينور لم تعجبها تقلبات الإمبراطور ومجاملاته للسلطان عبد الحميد الثاني، وكأنه لم يسبق له إدراك عظمة حليفه. وجدته يبالغ في عواطفه وهو يتحدث بإعجاب عن معارك المسلمين مع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية. ارتدى الزي العسكري العثماني، ورافق السلطان إلى صلاة الجمعة بجامع حميدية. وأخذ يلقّبه بالخان، وصاحب الشوكة، وقال أثناء حضوره الاستعراض العسكري المقام على شرفه إن الإمبراطورية الألمانية ملزمة بإظهار كامل الاحترام للبطل صلاح الدين الأيوبي، وعده أعظم عبقرية عسكرية في التاريخ. وفي قصر يلدز شاله كان فيلهلم الثاني يتحدث بصوتٍ عالٍ عن روعة الفن المعماري العثماني متناسياً أن قصره في برلين يحتوي على ستمئة غرفة. كانت آينور تظنّ أنه يتعمّد أن تحدث نياشينه تلك الجلبة كلما تكلم عن بسمارك وشجاعته في عزله، وكان يفوته أحياناً إخفاء عوق يده اليسرى، فيرتبك مظهره، وتغادره العظمة. لم تشعر بحركة قلبها إلا حين زارت برفقة الإمبراطور آيا صوفيا. توقعت أن يقدم فيلهلم الثاني على فعل ينتصر لأوروبا، إلا أنه كان مقتنعا أن آيا صوفيا هو جامع

بعد العودة من زيارة مصنع هيريكيه للسجاد، طلبت الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا من آينور أن تلتقيها في الحديقة. كانت متيبسة الإحساس على عكس الإمبراطورة التي هي أيضا كزوجها لم تكن تعترف أن لا شيء في إسطنبول يثير الاهتمام سوى أماكن الصلاة. بدا على وجه أوغستا فيكتوريا، وهي تعبر الجسر الخشبي الأحدب فوق القناة المائية أنها منتشية بالحفاوة الزائدة عن المعتاد، موحية لآينور بحماستها، أكثر من السابق، لفكرة الحج. كانت قد ازدادت امتلاءً في الشهرين الماضيين، وأي تعبير تبديه يجعل التجاعيد تبان في زاويتي عينيها وفمها. تظهر بملابس فضفاضة، وبأكمام ضيقة يكللها وقار التضحية مع توجع شفاف يلهمها الحكمة. قالت الإمبراطورة وهي تقف متأملة الحدود البعيدة للبحيرة الملونة بذهبية الشمس:

ـ فيلهلم يريد منك البقاء في إسطنبول لأمر ما سيبلغك هو به، ولكنني رفضت العودة إلى ألمانيا وحيدة، لذلك ستبقين هنا مدة ثلاثة أيام فقط ثم تبحرين إلى بيروت. سأرسل إليك ترخيصاً بالسفر على متن باخرة ديلبروك الحربية. سنلتقي بعد أن نكون قد أنهينا الحج، وزرنا دمشق، لنعود بعدها معاً إلى ألمانيا في الموعد المقرر.

تساءلت آينور وهي مختنقة:

ـ هل أغضبتُ الإمبراطور في شيء؟

التفتت أوغستا فيكتوريا إليها بوجهها الممتلئ وعينيها الصغيرتين:

ـ فيلهلم يرى أن الحرية الوحيدة التي يمكن لنا امتلاكها هي التنفس.. هو لا يغضب إلا حين يكتشف أننا فكّرنا بأشياء لم تخطر بباله

كانت آينور واجمة عندما سألتها الإمبراطورة ببرود:

ـ هل طلب فيلهلم منك شيئاً؟

ردَّت آينور:

ـ جلالته لم يطلب أي شيء

أحسَّت آينور بتناقض نظرة أوغستا فيكتوريا مع مشاعر كلماتها

ـ سأصلي من أجلك في بيت لحم.

***

كان عليها أن تبتسم وهي تأخذ مكانها في ميدان هيبودروم على المنصة الخشبية المنصوبة قبالة البوابة الجانبية لجامع السلطان أحمد باعتبارها ممثلة عن إمبراطور ألمانيا، وملك بروسيا. كانت المنصة من طبقتين ولم تلاحظ أي حضور لدولة أخرى، واستغربت أن يكتب اسمها وصفتها على قطعة ورقية سميكة بدل اسم السفير البارون فون مارشال. شكّل الإيطاليون، واليونانيون حلقة راقصة حول المسلة الفرعونية، في حين التزم خمسة من طلاب كلية العلوم الحربية وهم في زيهم النظامي بالعبوس تعبيراً عن موقف تركيا الفتاة من الإدارة العثمانية الفاشلة. ومع وصول موكب رئيس تشريفات السلطان سيطر اليونانيون عل ترنحهم، وأخذوا يهتفون بحياة السلطان عبد الحميد الثاني الذي احتجزهم قبل موعد وصول إمبراطور ألمانيا بسبعة أيام تخوفاً من أي تهور إثر قيام ثوري إيطالي في العاشر من أيلول باغتيال إليزابيث إمبراطورة النمسا، وأطلق سراحهم عشية وصول فيلهلم الثاني إلى حيفا

جلس منير باشا بجوار آينور هانز متعمداً إيصال رزانته إلى تحسسها، وهمس لها إنه لا يحب رئيس بلدية إسطنبول لأنه أحد الذين يعتقدون أن أوروبا نهضت بالسحر الأسود. بدا متطابقاً مع انطباعها القديم عنه حين التقته، قبل تسعة أشهر، في برلين. وسامته السمراء وضخامته المنسقة، جعلتا مظهره الأنيق بلا أخطاء. في الخمسين لكنه حذِر من الإفشاء بحيويته كلها. نسّق الإيطاليون تجمعهم، وراح ثلاثة منهم يعزفون على المندولين أنغاماً سريعة الإيقاع وسط تعالي الصخب، والرقص في مجاميع متنافرة

سألته آينور وهي متخوفة من خطأ خفي:

ـ كيف أمثل الإمبراطور فيلهلم الثاني، وأنا لا أملك صفة رسمية، ولست من أسرة هوهنزولرن؟

ضحك منير باشا، وقال:

ـ فيلهلم الثاني طلب منا معاملتك كممثلة عنه. في الحقيقة أنا لا أعرف إن كنت محظوظة، أم تستحقين الشفقة.

تعالت الموسيقى اليونانية بإيقاعاتها الابتدائية الرتيبة ما إن انسحب الإيطاليون في حلقة مفتوحة أمام المنصة. انتظرت آينور حتى انتهى منير باشا من مجاملة التصفيق:

ـ أنا أستحق الشفقة.. في الصباح طردني لينوس غينشر من وكالة توماس كوك، وبعدها بساعتين طلبوا مني في السفارة انتظار توجيهاتك بشأن سفري إلى بيروت.. ماذا تخططان أنت وأمي يا باشا؟ 

مال نحوها قائلا:

ـ ما دام غينشر الأحمق طردك، فمعنى هذا أنك لن تسافري إلى بيروت.

سألته وصدرها حار:

ـ هل الإمبراطورة أوغستا فيكتوريا هي التي أنهت خدماتي؟

قال منير باشا، بابتسامة ماكرة، وهو ينهض:

ـ أظنك توافقين يا هانم على أن نتمشى قليلا.

ردت آينور وهي تستجيب لانحناءته الخفيفة:

ـ إلى آيا صوفيا يا باشا إذا سمحت.

تبعتهما عن بعد خيالة أرطغرل الستة، وحرس رئيس التشريفات. خلت الحديقة الفاصلة بين جامعي السلطان أحمد، وآيا صوفيا من المارة. انتبه منير باشا إلى تسارع خطوات آينور التي قالت إنها تريد التحقق من شيء غامض في قلبها. كان الليل قد أكمل نزوله، والمواقد الكبيرة المنتشرة في صفين عند مدخل آيا صوفيا تعمّق احمرار القوس الحجري الحامل للقبة الكبيرة. شعرت آينور وهي تقف أمام المبنى الذي بدا لها كعملاق يريد النهوض ببرودة في رحمها. سألها منير باشا باستخفاف:

ـ أهو الحنين إلى أمجاد بيزنطة؟

أجابت وهي تأخذ نفساً عميقاً:

ـ بل هو الوقوع في غرام الله.. الله يا باشا.

تقدم منير باشا ثلات خطوات واستدار ليقف بينها وبين آيا صوفيا، قائلا بصوت ثقيل:

ـ عزيزتي آينور.. من الآن وحتى شروق الشمس أريدك أن تنسي أمك، وأوغستا فيكتوريا، وغينشر، ورودولف، وكل الحمقى الآخرين..

قالت بحزم، ولمعة الذكرى في عينيها:

ـ إلا رودولف يا باشا.. الحب ليس فيه نسيان، ولا ابتعاد، ولا قطيعة.

قال وهو يقصّر المسافة بين فمه وأذنها:

ـ حسنا.. سنبقي على رودولف.. لا مشكلة، ولكن في الصباح الباكر أريد أن ألتقيك لأمر مهم جداً.. كوني مستعدة.

__________

فصل من رواية بعنوان (ترتر) للروائي العراقي "نزار عبد الستار" ستصدر قريباً عن دار هاشيت أنطوان - بيروت